الخلاف على “التنسيق”.. انقسام شكلي واهتزاز مضبوط

يبدو أن الوضع الحكومي مرشح لمزيد من التأزم، وهو المهتز أصلاً، على خلفية إعلان عدد من الوزراء عزمهم على التوجه إلى سوريا تلبية لدعوات تلقوها من نظرائهم في دمشق، الأمر الذي ألهب سجالاً داخلياً عنيفاً وضع التسوية السياسية التي أنتجت الانتخابات الرئاسية برمتها على المحك، ووضع الحكومة في وضع لا تحسد عليه، أو التكهن في الحجم الذي ستأخذه القضية، وإن كان الجميع يسلم لأسباب عدة بأن لا أحد أو قضية أو فضيحة، يمكن ان يؤدي للتفريط بالحكومة، أقله حتى اجراء الانتخابات النيابية في الربيع المقبل.

وتَشي المواقف المتناقضة حول موضوع تطبيع العلاقة مع سوريا أنّ الحكومة قد تكون مهدَّدة بتصعيد سياسيّ “إعلامي” متبادَل يُعرّضها لانقسامٍ “شكلي”. فما حصل في جلسة مجلس الوزراء بخصوص بخصوص ذهاب الوزراء حسين الحاج حسن وغازي زعيتر ورائد خوري الى سوريا لحضور معرض دمشق الدولي في 16 آب بعد توجيه دعوات رسمية لهم، يكشف أنّ فريقاً من القوى السياسية اتّخَذ قراراً بالدفع في اتّجاه وضعِ العلاقة اللبنانية ـ السورية على سكّة التطبيع في ضوء ما حصل في جرود عرسال والمتغيّرات في الميدان السوري، وهذا الفريق مقتنع بـ”التطبيع بمنطق الأمر الواقع” برغم معارضة فريق آخر يعارض هذا التطبيع لأنه يَعتبر النظامَ السوري “فاقداً الشرعية”، ويستند إلى المواقف الإقليمية والدولية حول هذا الأمر، وإلى معطيات تشير إلى أنّ واشنطن ربّما تكون الآن في صَدد خوض مواجهة مع إيران على الساحة اللبنانية، خصوصاً بعد إنجاز تحرير جرود القاع ورأس بعلبك، والذي يرجَّح أن يتزامن مع صدور الدفعة الجديدة من العقوبات الأميركية على طهران و”حزب الله” والتي اقتربَ موعدها.

رئيس حزب”القوات اللبنانية” سمير جعجع وفي ثاني مؤتمر صحفي عقده خلال يومين اعتبر أن “زيارة أي وزير الى سوريا ستهز الاستقرار السياسي الداخلي للبنان، ولا سيما ان نتيجة هذا الاستقرار هي الاستقرار الأمني والعسكري، كما سيصنف لبنان على أثرها في خانة المحور الايراني في الشرق الأوسط، ما يعني أن ما تبقى لنا من علاقات مع أكثرية الدول العربية سينقطع كلياً”، لكنه لم يوضح ردة فعل “القوات” المنتظرة على الزيارة: هل ستكون الاستقالة من الحكومة أم الاعتكاف أم الاستمرار في اطلاق المواقف المعترضة الكلامية من دون ترجمة حسية؟

والواقع أن لا خوف على الحكومة، وهي غير المنتجة أصلاً وقد وضعت لنفسها هدفاً شبه وحيد؛ تقاسم حصص التعيينات ومغانم السلطة مقابل إلهاء الناس بألف قضية ومسألة. بهذا المعنى الحكومة باقية حتى الانتخابات النيابية، ولن تتأثر بأي ملفات خلافية مهما بلغت حدتها وزيارة سوريا “ستقطع” بهدوء رغم الموقف الحاد والرافض لجعجع ولغيره، ذلك أن التسوية التي جاءت بالرئيس ميشال عون لرئاسة الجمهورية وسعد الحريري لرئاسة الحكومة صامدة بغطاء اقليمي ودولي، ويشمل هذا الغطاء الاستقرار في لبنان والتطبيع بين القوى السياسية وتحديداً حزب الله وتيار المستقبل، ولذلك فان “الستاتيكو” الذي يحكم المعادلة في البلد مستمر حتى الانتخابات النيابية، وستبقى العلاقة “سمن وعسل” حتى إشعار آخر ولن تؤثر به لا اعتراضات “السلسلة” ولا زيارة دمشق ولا حروب الجرود أو فضائح الفساد، ولا حتى الكلام عن تعديل القرار 1701 ونشر قوات دولية عند الحدود الشرقية!

وهكذا يمكن القول أيضاً ان كل الصخب والسجال القائم، مفتعل ومبالغ فيه ولن يؤثر على خريطة الوضع السياسي ولا على التوازنات اللبنانية الدقيقة المشغولة ببراعة ودقة؛ الحجة الظاهرة هي أن لا طرف سياسياً يستطيع ان يتحمل مخاطر تغيير التوازنات التي تحكم الوضع الداخلي، وتهديد الاستقرار، فيما باطن الأمور يكشف تسليماً بأمر واقع وبأن كل موقف، تعبيراً أو سكوتاً، له ثمن.. وثمن مغرٍ أيضاً!