“حكومة النأي بالنفس” تحت المجهر السعودي

“حكومة النأي بالنفس” تحت المجهر السعودي

هل إنتهت الأزمة في لبنان بمجرد عودة الرئيس سعد الحريري عن إستقالته وإصدار الحكومة بيانًا أعلنت فيه إلتزامها “بكل مكوناتها السياسية النأي بنفسها عن أي نزاعات أو صراعات أو حروب أو عن الشؤون الداخلية للدول العربية، حفاظًا على علاقات لبنان السياسية والاقتصادية مع اشقائه العرب”، وتجديد تمسكها “باتفاق الطائف ووثيقة الوفاق الوطني ولاسيما البند الثاني من المبادىء العامة التي تنص على أن “لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة وملتزم ميثاقها، وهو عضو في حركة عدم الانحياز”، وتجسيدها “هذه المبادىء في جميع الحقول والمجالات من دون استثناء”، وتطلعها “الى أفضل العلاقات مع الاشقاء العرب وامتنها، بروح الروابط التاريخية التي تجمع بين دولنا وشعوبنا”؟

 

أوساط ديبلوماسية ترى أن الأزمة في لبنان ما زالت مرهونة باتفاقات هشة ومعرضة لخطر التوترات السعودية – الإيرانية، على رغم جهود الوساطة الفرنسية التي ما زالت مستمرة، خصوصًا أن الرياض لا تزال ترفض إقدام حلفائها في لبنان، ولا سيّما الرئيس الحريري، على توفير الغطاء لـ”حزب الله”، في ضوء التطورات الأخيرة في اليمن.

وتعتبر هذه الأوساط أن الرياض ستكتفي في الفترة الراهنة بمراقبة أداء الحكومة اللبنانية ومدى ترجمة ما صدر عنها من بيان إلتزامها سياسة “النأي بالنفس، ومدى قدرة حلفائها على وضع حدّ لتدخلات “حزب الله” في الشؤون الداخلية للدول العربية، وهي تحرص على الإستقرار الداخلي على الساحة اللبنانية، بعيدًا عن التأثيرات الخارجية الضاغطة.

وفي إعتقاد هذه الأوساط أن الحكومة اللبنانية موضوعة الآن تحت المجهر، وهي ستتحرك ضمن خطّين متوازيين: الأول، العمل على تطبيق ما ورد في بيان “النأي بالنفس” وترجمة النوايا الحسنة ترجمة عملية من خلال أداء “حزب الله” وإلتزامه حرفيًا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية وإعتماد خطاب سياسي لا يستفزّ أيًّا منها وبالأخص المملكة العربية السعودية.

أما الخط الثاني، وهو مرتبط عضويًا بالخط الأول، فيعتمد على تجاوب جميع مكونات السلطة مع سياسة لملمة الوضع الداخلي من خلال إتخاذ قرارات سريعة تؤمن الحدّ الأدنى من الحصانة الداخلية لضبط الأمن والمحافظة على الإستقرار الداخلي، فضلًا عن السير بحذر بين النقاط لتثبيت الوضع الإقتصادي وتعزيز الإستقرار النقدي بمواكبة جدّية للسياسة الحكيمة التي يعتمدها مصرف لبنان.

وتشير هذه الأوساط إلى أن الحكومة اللبنانية المعطاة فترة “سماح” مطلوب منها إتخاذ خطوات مدروسة وحذرة حتى حلول موعد إجراء الإنتخابات النيابية في ايار المقبل، مستفيدة من تقاطع مصالح بعض الدول الخارجية، ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا ومصر، لتوفير الإستقرار العام في لبنان والحؤول دون إدخاله في المتاهات الإقليمية.

وإستنادًا إلى هذه المؤشرات فإن لبنان موضوع حتى إشعار آخر في ثلاجة الإنتظار إستعدادًا لمرحلة مقبلة، بعد أن تكون معالم التسوية الشاملة في المنطقة قد نضجت، وبعد إنقشاع الرؤية وتراجع منسوب الحلول العسكرية أمام تقدّم الحلول السياسية، التي لا تزال تستلزم وقتًا غير محدّد لبلورة رؤية واضحة وشاملة، وبالأخصّ في سوريا.

 

اندريه قصاص